محمد بن محمد ابو شهبة
647
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
مثلا فريدا في الأولين والآخرين ، وإبائه على من عرض عليه قتل ابن أبيّ رأس النفاق أن يقتله قائلا : « كيف يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه » ، بل وإبائه على ابنه عبد اللّه أن يقتل أباه قائلا له : « بل نحسن صحبته ما دام بيننا » . ومن القصص الرائعة في هذا ما روي أن زيد بن سعنة جاءه قبل إسلامه يتقاضاه دينا عليه لم يحن أجل أدائه ، فجبذ ثوبه عن منكبه ، وأغلظ له في القول ثم قال : إنكم يا بني عبد المطلب مطل « 1 » فانتهره سيدنا عمر وشدّد له القول ، وسيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبتسم ، ثم قال : « أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر ، تأمرني بحسن القضاء ، وتأمره بحسن التقاضي » ، ثم قال : « لقد بقي من أجله ثلاث » ، ثم أمر عمر أن يقضيه ما له ويزيده عشرين صاعا لما روّعه . وقد أثر هذا الموقف الفريد ، وهذا الحلم الفائق في نفس زيد فكان سبب إسلامه ، وكان يقول : ما بقي من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في محمد إلا اثنتين لم أخبرهما : يسبق حلمه جهله « 2 » ، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما ، فاختبرته بهذا فوجدته كما وصف ! ! . وهذا شيء فوق العدل ، لأن العدل أن يقتص منه ، وأن يفعل بزيد مثل ما فعل بالرسول الكريم ، والعدل - أيضا - أن يقضيه حقه فحسب ، لا أن يزيده عشرين صاعا ، وليس ترويع الفاروق عمر رضي اللّه عنه زيدا بأعظم من ترويع زيد النبي صلوات اللّه وسلامه عليه ، على الفرق الشاسع ما بين مقام النبي ومقام زيد ، ولكنه النبي الحليم الذي يسبق حلمه غضبه ، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما ! ! .
--> ( 1 ) مطل : بضم الميم وسكون الطاء : جمع أمطل ، والمطل بفتح الميم : التسويف في الدين والعدة . ( 2 ) يعني غضبه ، وحاشاه صلى اللّه عليه وسلم أن يجهل ، فمقابلته السيئة بالسيئة ليس جهلا .